محمد أبو زهرة
1434
زهرة التفاسير
وقد يقول قائل : لما ذا عبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين ، والصبر هنا هو الأظهر ، فنقول : إن الشكر في هذا المقام هو أعلى درجات الصبر ، وذلك أنهم لم يحتملوا البلاء فقط ، بل تجاوزوا حد الصبر إلى حد الشكر على هذه الشديدة ، فالشكر هنا صبر وزيادة ، وقليل من يكون على هذه الشاكلة ، ولذا قال تعالى : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) [ سبأ ] . وإنا نضرع إلى اللّه تعالى أن يجعلنا من الصابرين في البلاء ، الشاكرين في الضراء والسراء معا ، إنك سميع الدعاء . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 145 إلى 148 ] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 ) الكلام في هذه الآيات موصول بالآيات قبلها ، ففي الآيات السابقة أشار سبحانه إلى اضطراب بعض المؤمنين عندما بلغهم كذبا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد قتل ، فضعفت نفوس ، ووهنت قلوب ، واضطربت عقول ، فبين اللّه سبحانه وتعالى أن محمدا رسول من البشر ، وأنه يموت كما يموت سائر البشر ، وأن له أجلا ملموسا ، وأن الدعوة الإسلامية كاملة ما دام النبي صلى اللّه عليه وسلم قد بلغها وأتم تبليغها ، وبهذا